عندما نقرأ كتاباً في أحد العلوم المتطورة و خاصة الرياضيات نتساءل: ما الذي وصل بالعلم إلى هنا؟ و كيف ظهرت هذه الفكرة أو تلك؟ و ما الذي سبقها؟ من توصَّل إليها؟ و من سبقه إلى كشفها؟ هذه الأسئلة و غيرها هي مما يجيب عنه تاريخ العلم، و عبرها نقرأ هذا التاريخ. لكن عندما نسأل، ما الذي سيلي هذه الفكرة نكون قد بدأنا في صناعة التاريخ.
"أحد أسرع الموضوعات العلمية نمواً هو تاريخ العلوم. حصلت فيه تغيرات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. و لم تصبح نظرة العلماء إلى مؤرخي العلوم جدّية إلا منذ وقت قريب، فقد نُظر إليهم على أنهم مؤرخون لموضوعٍ معيَّن لأنهم غير قادرين على توسيع آفاقه. و نظرة العلماء هذه إلى مؤرخي العلوم يمكن أن تلخص بالملاحظة القيّمة التي لخصها جورج برنارد شو بقوله ‹‹هؤلاء الذين يفعلون، و هؤلاء الذين يدرِّسون››. هذه المواقف قلما تسمع هذه الأيام، فدوائر تاريخ العلوم أصبحت محترمة اليوم. و علماء مبدعون يدرسون و يكتبون عن تاريخ موضوعاتهم. و السبب في ذلك أن العلماء الآن مهتمون أكثر من ذي قبل بموضوع طبيعة المبادرة العلمية في ذاتها."1
إن دراسة تاريخ العلم تساعد على فهم المعرفة ذاتها و إدراكها إدراكاً صحيحاً، كما تسهم لاحقاً في تلمُّس آفاق تطورها و صنع مستقبلها.
إلا أن مراجعة التطور التاريخي بأكمله لعلم من العلوم و إن امتلكنا كافة معطياته ضربٌ من المستحيل و مضيعةٌ للغرض من العودة إليه و إن كان غايةً نقدرها. فكان لابد من اتباع منهج انتقائي يحذوه هدف واضح من الدراسة. إن ما أجده واجباً هو تصويب بعض ما لحق بالعلماء المسلمين من غُبنٍ عند كتابة تاريخ العلم، بناءً على ذلك سأركِّز في طرحي هنا على تطور الفكرة الهندسية في الرياضيات كمثال. ليس نافعاً لنا العودة إلى الوراء كثيراً حتى أيام إقليدس، بل سأكتفي بالقراءة من حيث بدأ ضبط الهندسة و الذي بدأه العلماء المسلمون. و أول أداتين للضبط في الهندسة هما جملة الإحداثيات و وحدة الطول – التي أوَّل من عرَّفها الخيَّام – الأمر الذي سنناقشه لاحقاً. على أنه قبل المتابعة يجدر أن أعطي ملاحظةً صغيرة، إذ إنه نتيجة للنمو الأسِّي للعلم تطوَّرت معظم الرياضيات منذ القرن الخامس عشر بعد الميلاد، و إنها لحقيقة تاريخية أنه من القرن الخامس عشر حتى نهاية القرن العشرين تركَّزت تطورات كبيرة في الرياضيات في أوربة و أمريكا الشمالية. لا يعني هذا أن التطورات في الأماكن الأخرى كانت غير هامة. في الواقع، حتى نفهم تاريخ الرياضيات في أوربة من الضروري أن نعرف تاريخها على الأقل في بلاد ما بين النهرين و مصر، في اليونان القديمة، و في الحضارة الإسلامية من القرن التاسع و حتى الخامس عشر. الأمر الذي يجابه بصعوبة كبيرة إذ "لم تنج أبحاث كثيرة هامة من الفترة الأولى للرياضيات الإسلامية أو أنها نجت فقط في الترجمات اللاتينية"2. هذا بالإضافة إلى أن "كمية المادة التي نجت من القرون التالية كبيرة جداً مقارنةً مع تلك التي دُرست، لذلك ليس من الممكن حتى الآن تقديم أي حكم أكيد حول ما لم تحوه الرياضيات الإسلامية في القرون الوسطى، و هذا يعني أنه من غير الممكن حتى الآن تقييم، بأي ضمانة، ما الذي كان أصيلاً في الرياضيات الأوربية من القرن الحادي عشر و حتى القرن الخامس عشر."3 الأمر الذي تؤكِّد عليه الموسوعة البريطانية. يشهد بذلك بعض المكتشفات الحديثة في تاريخ الرياضيات الإسلامية و التي غيَّرت كثيراً وجهة النظر الماضية عن أعمال المسلمين.
آتي هنا بمثالين، الخيام و الطوسي. فقد ذكرنا سابقاً كيف أن ضبط الهندسة عبر ابتكار جملة إحداثيات و وحدة الطول كان نقطة حاسمة في تاريخ الهندسة، لكن هذا لم يحدث بشكل ثوري بل اجتاز عدة مراحل خلال تطوره.
ذكر د. رشدي راشد أن الخيام قد انتهى إلى نتيجةٍ هامة "تخص الحساب الهندسي الذي أصبح ممكناً نتيجةً لتعريف (الوحدة) في كلٍّ من الأبعاد الثلاثة: الطول و السطح و الجسم."4 الأمر الذي كثيراً ما نسب إلى ديكارت. هذا المفهوم الذي مكَّنه من الربط بين الجبر و الهندسة و الذي عرَّفه اعتماداً على مفهوم (البعد)، أدى إلى تطبيق الهندسة على الجبر عند الخيام، و صياغة أول نظرية هندسية للمعادلات الجبرية.5 و كما هو معلوم من تاريخ الرياضيات أن تجريد المفاهيم هو من أرفع أنواع العمل الرياضي بل هو كذلك في أكثر العلوم، و بذلك يكون عمل الخيام عملاً رياضياً رفيع المستوى و يشهد بذلك د. راشد بقوله: "لقد كنت أعتقد - و ما زلت - أن مؤلفات عمر الخيام الرياضية هي من أهم آثار ما كتب بالعربية من رياضيات، و من أبعدها صوتاً في تاريخ الفكر الإنساني".6
استغرق بناء جملة الإحداثيات كما نعرفها اليوم جهداً أكبر، فلقد "كانت فكرة علاقة تربط بين بعدي نقطة من منحنٍ عن مستقيمين مألوفةً منذ ميناخموس و أبولونيوس و بابوس. و قد أصبحت أكثر وضوحاً عند ابن الهيثم و عمر الخيام."7 هذا الأخير الذي اعتدنا عليه في كتابه الجبر و المقابلة يرسم القطوع المخروطية و يحلُّ معادلاته بمساعدتها. ينسب التطور اللاحق إلى ديكارت الذي "لم يكن يدرك تمام الإدراك معنى ترتيب سالب"8 مثله مثل سابقيه من العلماء المسلمين. و "لم ينسب ديكارت المستوي إلى محورين متعامدين، بل كان يكتفي بمحور الفواصل أما التراتيب فيرسمها مباشرةً عموديةً على محور الفواصل عند النقطة التي انتهت عندها الفاصلة."9 كان ديكارت قد استخدم هذا الأسلوب في كتابه La géométrie (الهندسة) الذي جاء كملحق لكتابه الشهير Discours de la méthode (خطاب في المنهج). أما منافسه فيرما فقد اتخذ معادلة بين متحولين. أحد المتحولين مثَّل خطاً مقاساً أفقياً من نقطة ابتدائية معينة، في حين مثَّل الآخر خطاً آخر يقع عند نهاية الأول و يميل بزاوية ثابتة على الأفق. عندما يتغير المتحول الأول بالمقدار، يأخذ الثاني قيمة محددة بالمعادلة، و النقطة النهائية للخط الثاني ترسم منحنياً في الفضاء. عبر هذا البناء كان فيرما قادراً على صياغة المبدأ الأساسي للهندسة التحليلية حيث "دوَّن في كرّاسه قبل صدور كتاب خطاب في المنهج بعام واحد الجملة التالية: ’متى ما وجد في المعادلة النهائية كميتان مجهولتان، يكون لدينا محل هندسي، و نهاية أحد هذين المجهولين ترسم خطاً، مستقيماً أو منحنياً‘. و يقصد نهاية الترتيب فقد سار على الطريقة نفسها التي سار عليها ديكارت على الرغم من أنه لم يكن قد اطلع بعد على عمله."10 لقد اقتضى المبدأ تقابلاً بين صفين من الكائنات الرياضية، المنحنيات الهندسية و المعادلات الجبرية. أما من استخدم أخيراً الإحداثيات السالبة فقد كان نيوتن الذي "رسم المحاور الإحداثية كاملة باتجاهاتها الموجبة و السالبة."11
على التوازي مع هذه التطورات الهندسية، طرأت تطورات عدة في مجال الترميز و الذي رغم أنه في الظاهر تطوُّرٌ جبري إلا أن الهندسة قد أفادت منه إلى أبعد الحدود خاصةً أنه تطوَّر في الأصل عن أفكارٍ هندسية. في قراءتنا لأعمال الخيَّام لا نقع على أي دلالةٍ تشير إلى استخدام حرفٍ للدلالة على ما ندعوه اليوم المتغيِّر، رغم وضوح مفهوم المعادلة لديه و حلِّه لبعض أنواعها، حيث تقرأ المعادلة x³ + x = x² + a بلغة الخيام كالآتي: كعبٌ و جذرٌ يعدل مالاً و عدداً . و كان الخوارزمي يمثّل المقدار x² بمربَّع و يعتبره مساحة، و x³ بمكعّب و يعتبره حجماً و هكذا... الأمر الذي يوضِّح لغة الخيَّام في صوغ المعادلة. و بقي الحال هكذا عند المسلمين فلم يحالفهم الحظ على حدِّ ما نعلم في الوصول إلى فكرة الترميز.
مثال آخر يتجلى في مقالة شرف الدين الطوسي المدعوة ’المعادلات‘ التي حقَّقها د. رشدي الراشد. "إن الأهمية العلمية لهذا العمل تكمن في شموليته. فالمسألة جبرية في الأساس، و هي حلّ معادلات الدرجة الثالثة. و الحلّ يقتضي إعطاء القيمة الفعليّة للجذور؛ فإذا بالطوسي يتعدّى إطار الجبر ليعمل في حقل الحلول العددية. كما أنّ مسألة تِبيان وجود الجذور، قادته، على خطى الخيّام، إلى العمل في ميدان دراسة القطوع المخروطية و معادلاتها و نقاط التقائها، فإذا به ينتقل إلى الهندسة و ‹‹الهندسة التحليلية››. أمّا دراسة المعادلات ‹‹التي يقع فيها المستحيل›› أي التي قد لا يكون لها أي جذر (حقيقي موجب)، فقادته إلى التطرّق إلى موضوع أساسي في ميدان التحليل الرياضي هو موضوع النهاية القصوى لدالّة بمتغيّر واحد. و لئن صحّ أن الطوسي لم يتخطّ الخيام إلا قليلاً في مجال صياغة معادلات المنحنيات، و لئن صحّ أن صياغته لمعادلات المنحنيات كانت جزءاً من مشروع بدلاً لأن تكون مشروعاً قائماً بحدّ ذاته كما هي الحال في رياضيات القرن السابع عشر؛ و لئن صحّ أيضاً أنّ الطوسي عالج قضية النهاية العظمى كفقرة من فصل، بينما كانت فصلاً مستقلاً عند فيرما(Fermat (1601-1665، إلا أن هذا لا ينفي، بل يؤكّد، أنّ الطوسي كان قد عَمد في نهاية القرن الثاني عشر إلى طرح و معالجة مواضيع كان المؤرّخون يرجعون الفضل في بدء معالجتها إلى رياضيّي القرن السابع عشر. "12
و إذا ما قرأنا مقدمة د. راشد لكتابه (الجبر و الهندسة في القرن الثاني عشر) نجده يؤكّد عند عرضه لما قدمه الطوسي "أن وجود مفهوم ‹‹المشتق›› لم يكن عرضياً و لا طارئاً، بل بالعكس كان هذا الوجود مقصوداً."13 و قد استخدمه الطوسي في إيجاد النهاية العظمى لعبارة جبرية و في " إنشاء طريقة حل عددي للمعادلات"14 كانت تنسب إلى روفيني-هورنر. كما "إننا نجد في هذه الرسالة و للمرة الأولى في تاريخ الرياضيات، على حدّ علمنا، فكرة رئيسية: تحديد النهايات القصوى (extrêma) للعبارات الجبرية من جهة، و من جهة أخرى دراسة تغيرات الدالات المتعددة الحدود في جوار نهاية قصوى معيّنة لكي يصار إلى احتساب هذه النهاية القصوى."15
عبر هذين المثالين و غيرهما في تاريخ العلم من الفترة الإسلامية نستقرئ ضخامة الجهد العلمي الذي قدمه المسلمون للإنسانية. هذا الجهد الذي ما يزال خارج سياق إدراكنا اليوم لكيفية تطور العلم و دور المسلمين فيه. من خلال إقامتي في فرنسا لعدة سنوات و من خلال اطلاعي على ما يقوم به الألمان، لمست تنامي إدراك الأوربيين لدور العرب و سعيهم لإعادة النظر و الفهم. فقد أنشأوا معاهد و مراكز أبحاث جلّ عملها هو دراسة النتاج العلمي الإسلامي و اللغة العربية. على يوتوب على سبيل المثال تجدون برنامجاً ألمانيا يدعى علوم الإسلام الدفينة يظهر جانبا من سعي الأوربيين لفهم صحيح. و من يود الاستزادة في معرفة من يعمل لأجل العلوم العربية يمكنه الرجوع إلى مدونتي المخطوطات الإسلامية.
علّه من المفيد أن أختم في النهاية بالقول أن كل واحد منا مهما كان اختصاصه يمكنه المساهمة في رد الاعتبار للعلوم العربية. بقليل من الجهد سيجد شيئاً من اختصاصه في علوم الأولين، و بمزيد من الجهد يمكنه إخراجه للآخرين.
__________
1 مورتيمر آدلر، تشارلز فان دورن، كيف تقرأ كتاباً، ترجمة طلال الحمصي، الدار العربية للعلوم، 1995، ص 284-285. (بتصرف)
2 Encyclopadia Britannica 2001, Deluxe Edition CD
3 المرجع نفسه
4 رشدي الراشد، الجبر و الهندسة في القرن الثاني عشر – مؤلفات شرف الدين الطوسي، سلسلة تاريخ العلوم العربية (5)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص 29
5 المرجع نفسه ، ص 29، بتصرف
6 رسائل الخيام الجبرية، رشدي راشد، أحمد جبارة، الفاتحة، ص 1
7 تاريخ الهندسة، وائل بشير الأتاسي، مطبعة الخطيب، ص 132
8 المرجع نفسه، ص 128
9 المرجع نفسه، ص 126
10 المرجع نفسه، ص 130
11 المرجع نفسه، ص 155
12 رشدي الراشد، ص 9-10
13 المرجع نفسه، ص 49
14 المرجع نفسه، ص 49
15 المرجع نفسه، ص 49
"أحد أسرع الموضوعات العلمية نمواً هو تاريخ العلوم. حصلت فيه تغيرات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. و لم تصبح نظرة العلماء إلى مؤرخي العلوم جدّية إلا منذ وقت قريب، فقد نُظر إليهم على أنهم مؤرخون لموضوعٍ معيَّن لأنهم غير قادرين على توسيع آفاقه. و نظرة العلماء هذه إلى مؤرخي العلوم يمكن أن تلخص بالملاحظة القيّمة التي لخصها جورج برنارد شو بقوله ‹‹هؤلاء الذين يفعلون، و هؤلاء الذين يدرِّسون››. هذه المواقف قلما تسمع هذه الأيام، فدوائر تاريخ العلوم أصبحت محترمة اليوم. و علماء مبدعون يدرسون و يكتبون عن تاريخ موضوعاتهم. و السبب في ذلك أن العلماء الآن مهتمون أكثر من ذي قبل بموضوع طبيعة المبادرة العلمية في ذاتها."1
إن دراسة تاريخ العلم تساعد على فهم المعرفة ذاتها و إدراكها إدراكاً صحيحاً، كما تسهم لاحقاً في تلمُّس آفاق تطورها و صنع مستقبلها.
إلا أن مراجعة التطور التاريخي بأكمله لعلم من العلوم و إن امتلكنا كافة معطياته ضربٌ من المستحيل و مضيعةٌ للغرض من العودة إليه و إن كان غايةً نقدرها. فكان لابد من اتباع منهج انتقائي يحذوه هدف واضح من الدراسة. إن ما أجده واجباً هو تصويب بعض ما لحق بالعلماء المسلمين من غُبنٍ عند كتابة تاريخ العلم، بناءً على ذلك سأركِّز في طرحي هنا على تطور الفكرة الهندسية في الرياضيات كمثال. ليس نافعاً لنا العودة إلى الوراء كثيراً حتى أيام إقليدس، بل سأكتفي بالقراءة من حيث بدأ ضبط الهندسة و الذي بدأه العلماء المسلمون. و أول أداتين للضبط في الهندسة هما جملة الإحداثيات و وحدة الطول – التي أوَّل من عرَّفها الخيَّام – الأمر الذي سنناقشه لاحقاً. على أنه قبل المتابعة يجدر أن أعطي ملاحظةً صغيرة، إذ إنه نتيجة للنمو الأسِّي للعلم تطوَّرت معظم الرياضيات منذ القرن الخامس عشر بعد الميلاد، و إنها لحقيقة تاريخية أنه من القرن الخامس عشر حتى نهاية القرن العشرين تركَّزت تطورات كبيرة في الرياضيات في أوربة و أمريكا الشمالية. لا يعني هذا أن التطورات في الأماكن الأخرى كانت غير هامة. في الواقع، حتى نفهم تاريخ الرياضيات في أوربة من الضروري أن نعرف تاريخها على الأقل في بلاد ما بين النهرين و مصر، في اليونان القديمة، و في الحضارة الإسلامية من القرن التاسع و حتى الخامس عشر. الأمر الذي يجابه بصعوبة كبيرة إذ "لم تنج أبحاث كثيرة هامة من الفترة الأولى للرياضيات الإسلامية أو أنها نجت فقط في الترجمات اللاتينية"2. هذا بالإضافة إلى أن "كمية المادة التي نجت من القرون التالية كبيرة جداً مقارنةً مع تلك التي دُرست، لذلك ليس من الممكن حتى الآن تقديم أي حكم أكيد حول ما لم تحوه الرياضيات الإسلامية في القرون الوسطى، و هذا يعني أنه من غير الممكن حتى الآن تقييم، بأي ضمانة، ما الذي كان أصيلاً في الرياضيات الأوربية من القرن الحادي عشر و حتى القرن الخامس عشر."3 الأمر الذي تؤكِّد عليه الموسوعة البريطانية. يشهد بذلك بعض المكتشفات الحديثة في تاريخ الرياضيات الإسلامية و التي غيَّرت كثيراً وجهة النظر الماضية عن أعمال المسلمين.
آتي هنا بمثالين، الخيام و الطوسي. فقد ذكرنا سابقاً كيف أن ضبط الهندسة عبر ابتكار جملة إحداثيات و وحدة الطول كان نقطة حاسمة في تاريخ الهندسة، لكن هذا لم يحدث بشكل ثوري بل اجتاز عدة مراحل خلال تطوره.
ذكر د. رشدي راشد أن الخيام قد انتهى إلى نتيجةٍ هامة "تخص الحساب الهندسي الذي أصبح ممكناً نتيجةً لتعريف (الوحدة) في كلٍّ من الأبعاد الثلاثة: الطول و السطح و الجسم."4 الأمر الذي كثيراً ما نسب إلى ديكارت. هذا المفهوم الذي مكَّنه من الربط بين الجبر و الهندسة و الذي عرَّفه اعتماداً على مفهوم (البعد)، أدى إلى تطبيق الهندسة على الجبر عند الخيام، و صياغة أول نظرية هندسية للمعادلات الجبرية.5 و كما هو معلوم من تاريخ الرياضيات أن تجريد المفاهيم هو من أرفع أنواع العمل الرياضي بل هو كذلك في أكثر العلوم، و بذلك يكون عمل الخيام عملاً رياضياً رفيع المستوى و يشهد بذلك د. راشد بقوله: "لقد كنت أعتقد - و ما زلت - أن مؤلفات عمر الخيام الرياضية هي من أهم آثار ما كتب بالعربية من رياضيات، و من أبعدها صوتاً في تاريخ الفكر الإنساني".6
استغرق بناء جملة الإحداثيات كما نعرفها اليوم جهداً أكبر، فلقد "كانت فكرة علاقة تربط بين بعدي نقطة من منحنٍ عن مستقيمين مألوفةً منذ ميناخموس و أبولونيوس و بابوس. و قد أصبحت أكثر وضوحاً عند ابن الهيثم و عمر الخيام."7 هذا الأخير الذي اعتدنا عليه في كتابه الجبر و المقابلة يرسم القطوع المخروطية و يحلُّ معادلاته بمساعدتها. ينسب التطور اللاحق إلى ديكارت الذي "لم يكن يدرك تمام الإدراك معنى ترتيب سالب"8 مثله مثل سابقيه من العلماء المسلمين. و "لم ينسب ديكارت المستوي إلى محورين متعامدين، بل كان يكتفي بمحور الفواصل أما التراتيب فيرسمها مباشرةً عموديةً على محور الفواصل عند النقطة التي انتهت عندها الفاصلة."9 كان ديكارت قد استخدم هذا الأسلوب في كتابه La géométrie (الهندسة) الذي جاء كملحق لكتابه الشهير Discours de la méthode (خطاب في المنهج). أما منافسه فيرما فقد اتخذ معادلة بين متحولين. أحد المتحولين مثَّل خطاً مقاساً أفقياً من نقطة ابتدائية معينة، في حين مثَّل الآخر خطاً آخر يقع عند نهاية الأول و يميل بزاوية ثابتة على الأفق. عندما يتغير المتحول الأول بالمقدار، يأخذ الثاني قيمة محددة بالمعادلة، و النقطة النهائية للخط الثاني ترسم منحنياً في الفضاء. عبر هذا البناء كان فيرما قادراً على صياغة المبدأ الأساسي للهندسة التحليلية حيث "دوَّن في كرّاسه قبل صدور كتاب خطاب في المنهج بعام واحد الجملة التالية: ’متى ما وجد في المعادلة النهائية كميتان مجهولتان، يكون لدينا محل هندسي، و نهاية أحد هذين المجهولين ترسم خطاً، مستقيماً أو منحنياً‘. و يقصد نهاية الترتيب فقد سار على الطريقة نفسها التي سار عليها ديكارت على الرغم من أنه لم يكن قد اطلع بعد على عمله."10 لقد اقتضى المبدأ تقابلاً بين صفين من الكائنات الرياضية، المنحنيات الهندسية و المعادلات الجبرية. أما من استخدم أخيراً الإحداثيات السالبة فقد كان نيوتن الذي "رسم المحاور الإحداثية كاملة باتجاهاتها الموجبة و السالبة."11
على التوازي مع هذه التطورات الهندسية، طرأت تطورات عدة في مجال الترميز و الذي رغم أنه في الظاهر تطوُّرٌ جبري إلا أن الهندسة قد أفادت منه إلى أبعد الحدود خاصةً أنه تطوَّر في الأصل عن أفكارٍ هندسية. في قراءتنا لأعمال الخيَّام لا نقع على أي دلالةٍ تشير إلى استخدام حرفٍ للدلالة على ما ندعوه اليوم المتغيِّر، رغم وضوح مفهوم المعادلة لديه و حلِّه لبعض أنواعها، حيث تقرأ المعادلة x³ + x = x² + a بلغة الخيام كالآتي: كعبٌ و جذرٌ يعدل مالاً و عدداً . و كان الخوارزمي يمثّل المقدار x² بمربَّع و يعتبره مساحة، و x³ بمكعّب و يعتبره حجماً و هكذا... الأمر الذي يوضِّح لغة الخيَّام في صوغ المعادلة. و بقي الحال هكذا عند المسلمين فلم يحالفهم الحظ على حدِّ ما نعلم في الوصول إلى فكرة الترميز.
مثال آخر يتجلى في مقالة شرف الدين الطوسي المدعوة ’المعادلات‘ التي حقَّقها د. رشدي الراشد. "إن الأهمية العلمية لهذا العمل تكمن في شموليته. فالمسألة جبرية في الأساس، و هي حلّ معادلات الدرجة الثالثة. و الحلّ يقتضي إعطاء القيمة الفعليّة للجذور؛ فإذا بالطوسي يتعدّى إطار الجبر ليعمل في حقل الحلول العددية. كما أنّ مسألة تِبيان وجود الجذور، قادته، على خطى الخيّام، إلى العمل في ميدان دراسة القطوع المخروطية و معادلاتها و نقاط التقائها، فإذا به ينتقل إلى الهندسة و ‹‹الهندسة التحليلية››. أمّا دراسة المعادلات ‹‹التي يقع فيها المستحيل›› أي التي قد لا يكون لها أي جذر (حقيقي موجب)، فقادته إلى التطرّق إلى موضوع أساسي في ميدان التحليل الرياضي هو موضوع النهاية القصوى لدالّة بمتغيّر واحد. و لئن صحّ أن الطوسي لم يتخطّ الخيام إلا قليلاً في مجال صياغة معادلات المنحنيات، و لئن صحّ أن صياغته لمعادلات المنحنيات كانت جزءاً من مشروع بدلاً لأن تكون مشروعاً قائماً بحدّ ذاته كما هي الحال في رياضيات القرن السابع عشر؛ و لئن صحّ أيضاً أنّ الطوسي عالج قضية النهاية العظمى كفقرة من فصل، بينما كانت فصلاً مستقلاً عند فيرما(Fermat (1601-1665، إلا أن هذا لا ينفي، بل يؤكّد، أنّ الطوسي كان قد عَمد في نهاية القرن الثاني عشر إلى طرح و معالجة مواضيع كان المؤرّخون يرجعون الفضل في بدء معالجتها إلى رياضيّي القرن السابع عشر. "12
و إذا ما قرأنا مقدمة د. راشد لكتابه (الجبر و الهندسة في القرن الثاني عشر) نجده يؤكّد عند عرضه لما قدمه الطوسي "أن وجود مفهوم ‹‹المشتق›› لم يكن عرضياً و لا طارئاً، بل بالعكس كان هذا الوجود مقصوداً."13 و قد استخدمه الطوسي في إيجاد النهاية العظمى لعبارة جبرية و في " إنشاء طريقة حل عددي للمعادلات"14 كانت تنسب إلى روفيني-هورنر. كما "إننا نجد في هذه الرسالة و للمرة الأولى في تاريخ الرياضيات، على حدّ علمنا، فكرة رئيسية: تحديد النهايات القصوى (extrêma) للعبارات الجبرية من جهة، و من جهة أخرى دراسة تغيرات الدالات المتعددة الحدود في جوار نهاية قصوى معيّنة لكي يصار إلى احتساب هذه النهاية القصوى."15
عبر هذين المثالين و غيرهما في تاريخ العلم من الفترة الإسلامية نستقرئ ضخامة الجهد العلمي الذي قدمه المسلمون للإنسانية. هذا الجهد الذي ما يزال خارج سياق إدراكنا اليوم لكيفية تطور العلم و دور المسلمين فيه. من خلال إقامتي في فرنسا لعدة سنوات و من خلال اطلاعي على ما يقوم به الألمان، لمست تنامي إدراك الأوربيين لدور العرب و سعيهم لإعادة النظر و الفهم. فقد أنشأوا معاهد و مراكز أبحاث جلّ عملها هو دراسة النتاج العلمي الإسلامي و اللغة العربية. على يوتوب على سبيل المثال تجدون برنامجاً ألمانيا يدعى علوم الإسلام الدفينة يظهر جانبا من سعي الأوربيين لفهم صحيح. و من يود الاستزادة في معرفة من يعمل لأجل العلوم العربية يمكنه الرجوع إلى مدونتي المخطوطات الإسلامية.
علّه من المفيد أن أختم في النهاية بالقول أن كل واحد منا مهما كان اختصاصه يمكنه المساهمة في رد الاعتبار للعلوم العربية. بقليل من الجهد سيجد شيئاً من اختصاصه في علوم الأولين، و بمزيد من الجهد يمكنه إخراجه للآخرين.
__________
1 مورتيمر آدلر، تشارلز فان دورن، كيف تقرأ كتاباً، ترجمة طلال الحمصي، الدار العربية للعلوم، 1995، ص 284-285. (بتصرف)
2 Encyclopadia Britannica 2001, Deluxe Edition CD
3 المرجع نفسه
4 رشدي الراشد، الجبر و الهندسة في القرن الثاني عشر – مؤلفات شرف الدين الطوسي، سلسلة تاريخ العلوم العربية (5)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص 29
5 المرجع نفسه ، ص 29، بتصرف
6 رسائل الخيام الجبرية، رشدي راشد، أحمد جبارة، الفاتحة، ص 1
7 تاريخ الهندسة، وائل بشير الأتاسي، مطبعة الخطيب، ص 132
8 المرجع نفسه، ص 128
9 المرجع نفسه، ص 126
10 المرجع نفسه، ص 130
11 المرجع نفسه، ص 155
12 رشدي الراشد، ص 9-10
13 المرجع نفسه، ص 49
14 المرجع نفسه، ص 49
15 المرجع نفسه، ص 49
0 تعليقات:
إرسال تعليق